الرئيسية / سياحة / القصور الصحراوية الأمازيغية بتطاوين : ثراء التاريخ في عمق الصحراء التونسية

القصور الصحراوية الأمازيغية بتطاوين : ثراء التاريخ في عمق الصحراء التونسية

كتبت / ذهبية بوزيان – تونس

 

“إذ اوحى ربك للنحل ان إتخذي من بطون

الجبال بيوتا ثم كلي من كل الثمرات فآسلكي سبل ربك ذللا”

 

صدق الله العظيم

 

يتبادر لذهنك و انت تكتشف وتشاهد القصور

الصحراوية بالجنوب التونسي في شكلها

وهندستها آيات الله وإعجازه فيها و التي نراها

بقلوبنا ونفهمها بأرواحنا وهو ما انقادت إليها

عقول سكان الصحراء لتعمل ملكاته على طاعة

الله في تعمير الارض إيمانا وعملا وإبداعا

فطريا وفق برنامج منظم ومنظومة دقيقة لا

تخطيء لترى فعل الإبداع في روعته التي

تلامس الكمال وجماله الاخاذ الذي ياسر العقول

و الأفئدة معمارا يروي نمط عيش سكانه

وذكاءهم في التأقلم مع الطبيعة والنهل منها.

 

ولاية تطاوين وعبر التاريخ ليست منارة

الأقطاب والفقهاء والأدباء والشعراء فحسب بل

هي ايضا اكاديمية هندسية بالفطرة فكما يقول

ارسطو ابو الفلاسفة والمفكرين لطلبته بمناسبة

كل درس في الفلسفة و قبل الانضمام لحلقته

“من لم يكن هندسيا لا يدخل علينا ” فإن

أجدادنا من البربر أثبتوا هذه القاعدة العلمية إذ

كانوا اقطابا وفقهاء و أدباء وشعراء وكانوا

ايضا رجالات هندسة ومعمار ..رجالات نحتت

تاريخا في جيوب الطبيعة وحضارة على جباه

الجبال وصنعت من بطون الجبال بيوتا صحية

للعيش لا تخلو من الرفاهية الطبيعية…

 

نحت هؤلاء الأجداد القدامى في جوف الجبال

الصخور بذكاء فطري وفطنة ورشاد عقل

وسداد رأي وحكمة…فأبدعوا قصورا من

دويرات رائعة في قمم الجبال هي سكن للروح

والجسد على مر آلاف السنين بقيت إرثا ماديا

من معمار ومهارات للأحفاد وقيمة حضاريا

تروي حياواتهم الهادية وتخلد ايامهم المفعمة

بالعمل الدؤوب والسعي لتحقيق أسباب عيشهم

اليومية ولياليهم المضيية بانوار السماء

ونجومها لتشهد كل نجمة وكل مصباح زيت

قديم على ذكرياتهم وتشاركهم افراحهم

وأعراسهم كعنصر رفيق لايغيب ونديم لا يمكن

تغييبه حتى انهم يناجون النجوم ويغازلونها في

تعبيراتهم عن الفرح و المسامرات الشعرية

والغنائية مما شهد به عليهم الموروث الثقافي

من اشعار وأذكار دينية وابتهالات ومدايح

وقصص شبيهة بقصص الف ليلة وليلة كانت

تؤثث سهراتهم ومسامراتهم .

 

ان مثل هؤلاء المهندسون مولعون بالفطرة

بمعانقة السماء في توق للتوحيد و الاعتكاف

والعبادة ..عبادة الخالق الواحد الأحد بتطويع

الطبيعة و العمل على خلق اسباب وظروف

للعيش على بساطتها حققت الرفاهية وكفلت

الصحة وأمنت بالحياة وتعلقت بخصوصية

المكان وتطويعه “فالمكان أنت من يصنع فيه

الحياة ” .

 

فلا غرابة ان نجد فيهم اقطابا وفقهاء موحدون

طائعون لله بالفطرة ومنذ اكثر من الفي سنة

ميالون لنبذ الوثنية تواقون لمعانقة السماء

فمجرد الاشكال الهندسية الظاهرية توحي بان

صانعي هذا المعمار الذين اعتمدوا على

المكونات الطبيعية المتاحة من ارضهم ومكانهم

وما جادت به الطبيعة عليهم فيه هم مهندسون

بالفطرة يقدسون قيمة العمل الدؤوب اناس

جبلوا على العزة والقناعة فحققوا حدا من

ظروف العيش الكريم وحدا آخر من الرفاهية

بإمكانيات خصوصية جادت بها الطبيعة عليهم

ودون غيرها من الوسائل وهو ما تتوق إليه

اليوم معظم شعوب العالم المتحضر وتنشده

لمحاربة الضغط النفسي اليومي وأمراض

العصر و العودة للعيش في أحضان الطبيعة

ونبذ كل ما انتجته الصناعات والكيمياء

واقتحم حياة الإنسان محملا بالأمراض

الجسدية والنفسية.

 

هؤلاء الاجداد اتخذوا من بطون الجبال بيوتا

كبيوت النحل في شكل هندسي مستوحى من

خلاياها اما داخلها فيؤكد ان الحكمة والهندسة

منبعها العقل النير والأرواح الملهمة و بان

الطبيعة هبة الإنسان وأنها كفيلة ان تهبه

الحياة بكامل أسبابها و ما يحتاج إليه للعيش

وهذا ما آمن به سكان الصحراء بتطاوين منذ

آلاف السنين فكانت قرى القصور الصحراوية

التي شيدوها في أعالي الجبال أو في باطن

الأرض، والتي تميزت بطابعها المعماري الفريد من نوعه

 

الناظر من الخارج ومن بعيد يراها حصونا

دائرية صممت ليخصص جانب منها للمؤن

والجانب الآخر للعيش.

 

هذه القرى التي تضم القصور الصحراوية والتي

إنفردت بها ولاية تطاوين بالجنوب التونسي

وعددها تقريبا 150 قصرا منها قصر اولاد

سلطان و قصر الحدادة واشهرها قصر

الدويرات: وهو اقدمها إذ يعود تاريخ إنشائه

إلى حوالي 2000 سنة ويشهد ذلك على ان

البربر هم أول من ابتكر بناء القصر .

 

يبعد قصر الدويرات حوالي 20 كم علي مدينة

تطاوين وهو من أقدم القصور وأولها في

الجنوب التونسي والدويرات هي جمع لكلمة

الدويرة في تونس و تنطق في الشقيقة ليبيا

الدوائرة او الدويرات ايضا و هي من المناطق

التي تؤم اكثر السكان من اصول امازيغية في

شمال افريقيا فهي الأمازيغية بامتياز ولا يوجد

بين سكانها تقريبا اي من عربي او فنيقي او

تركي او روماني او اندلسي واحد وذلك بشهادة

كل الدراسات الجينية و الأنتروبولوجية

المنجزة حول حياة الأمازيغ .

 

ومجمل القول ان ما ينطبق على الدويرات و

شنني من دراسات ينطبق الى حد كبير على

معظم سكان الاجزاء الغربية و الجنوب غربية

من ليبيا و ذلك لوجود الرابط التاريخي و

الديموغرافي المشترك لهاتين المنطقتين عبر

العصور وألقاب العائلات الدويرية الأمازيغية

الموجودة حاليا في منطقة الدويرات في

الجنوب التونسي و منطقة الدويرة في وادي

نفد الواقع في ارض هوارة و لواتة و اوربة

القديمة في ليبيا كذلك قرى شنني والعائلات

المنبثقة عنها

يتكون القصر من أكثر من 200 غرفة كانت تعد

لكامل منتسبي العائلة و أبنائها كل يملك غرفة

أو غرفتين علي حسب طاقته المادية اما الآن

فهو شبه مهدم بفعل قصف المدفعية الفرنسية

في أوائل سنين الاستعمار.فالقصر منتصب في

اعلى جبل الدويرات اي في القمة والتسلق الي

هذا القصر صعب علي غير متساكني الجهة ولا

يمكن التسلق إليه إلا على الارجل وفي ذلك

حكمة قديمة لتفادي الغزو من القبائل الأخري ..

 

اما في سفح جبل الدويرات فتقع الغيران اي

جمع غار حيث طوعوا فيه الطبقات

الجيولوجية المتكونة بالتوازي من طبقات

 

صخرية بينها طبقات ترابية ليفرغوا جوفها من

التربة و يتخذوا من الطبقتين الصخريتين سقفا

وقاعا تنحت وتصقل فيما بعد ويشكل منها .

 

وفيها مرافق وتجهيزات اخرى تضاف إليها

أشكال و اكسسوارات من خشب جذوع

الاشجار وسعف النخيل لتصلح للإستعمال

كأثاث هيكله منحوت بقلب الجدران الصخرية

والغار معد للسكن ويتميز بالدفء شتاءا

وبالبرودة صيفا بتكييف طبيعي ويقدر بـ

16متر داخل الجبل) وتقدر اعدادها بأكثر من

250 غار علي طول الجبل واشهرها غار

“الغازي” وهو عبارة عن مجموعة من غيران

تكون متاهة وهنا تتجلي خبرة البربر الدفاعية

ومقاومتهم للغزو الخارجي.

اليوم تم تحويل جزء من الغيران إلى نزل

للسياح والزوار وتنشط جمعياتومنظمات

المجتمع المدني من ابناءالمنطقة وشبابها للحفاظ علي هذه

المنطقة وتعزيز السياحة فيها والدفع لتجاوز

الإشكاليات العالقة إلى اليوم من ذلك عقبة

الملكية الخاصة المشتركة و الغابرة في القدم

وكذلك بتوجيه نداءات إلى السلط المركزية و

الجهوية بتعزيز المنطقة بإعتمادات للتجهيز


وأخرى للصيانة خاصة.

Be Sociable, Share!

عن hend abozied

شاهد أيضاً

وزيرى السياحة والآثار والاوقاف وجولة بجامع الفتح الملكي بحي عابدين بالقاهرة

وزيرى السياحة والآثار والاوقاف وجولة بجامع الفتح الملكي بحي عابدين بالقاهرة . كتبت / سميرة …

التخطي إلى شريط الأدوات